محمد الغزالي
53
فقه السيرة ( الغزالي )
الفتن عن سواد باطنهم وسوء عقباهم « 1 » ، فيقول ما قال عيسى من قبل : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] « 2 » . وقد يطلعه اللّه على بعض الغيوب لحكم خاصة ، كما جاء في التنزيل الإنباء بهزيمة الفرس أمام الروم ، بعد النصر الكبير الذي سبق لهم أن أحرزوه ، وسارت بحديثه الركبان ، وشمت له الوثنيون ، وحزن له المسلمون مظاهرة منهم لأهل الكتاب . وقد وردت أحاديث صحاح تحسب على ظاهرها كأنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعرف ما يكون ، مثل ما ورد عن عدي بن حاتم قال : بينما أنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ أتاه رجل ، فشكا إليه الفاقة ، ثم أتاه اخر فشكا إليه قطع السبيل ، فقال : « يا عدي ! هل رأيت الحيرة ؟ » قلت : لم أرها ، وقد أنبئت عنها ، فقال : « إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا اللّه » قلت في نفسي : فأين دعّار طيئ الذين سعروا في البلاد ؟ ! « ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى » ، قلت : كسرى بن هرمز ؟ ! قال : « كسرى بن هرمز ! ! » . قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا اللّه ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز « 3 » . والحق أن هذه الأحاديث وأشباهها لم تكن إخبارا بغيب « 4 » ، إنما كانت تصديقا لوعد اللّه بأن المستقبل للإسلام ، وبأن هذا الدين سيسود المشارق والمغارب ، فكانت تفسيرا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقول اللّه في كتابه : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ الفتح : 28 ] .
--> ( 1 ) إشارة إلى حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، فأناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا » . وللحديث روايات في الصحيحين عن ابن مسعود وأنس وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد رضي اللّه عنهم . ( ن ) . ( 2 ) معنى هذا في ( صحيح البخاري ) في كتاب التفسير ، من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما . ( 3 ) أخرجه البخاري : 6 / 477 - 479 ، وغيره عن عدي . ( 4 ) بل هي من الإخبار بالغيب بإعلام اللّه تعالى إياه ، والتأويل المذكور لا مبرر له ما دام أن المؤلف حفظه اللّه يسلّم بأصل الإعلام كما ذكر انفا ، وفي هذا الحديث ما يشير إلى ذلك ؛ إذ إنه قال : « إن طالت بك حياة . . . » فهل هذا التحديد الدقيق للزمن يمكن أن يعرفه ( الخبير ) ، إلا بإعلام اللطيف الخبير سبحانه وتعالى .